الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
399
نفحات القرآن
2 - إنّ الشفاعة التي ذكرها القرآن وذبَّ عنها ، شفاعة يرتبط خطّها الأصيل ب « إذن اللَّه » وما لم يأذن بالشفاعة فلا يحق لشفيع أن يشفع ، وبتعبير آخر فإنّ هذه الشفاعة صادرة من الأعلى ومشروطة بإذن اللَّه ، وهي ليست كشفاعة حاشية السلاطين الجائرين ، فهي صادرة من الأسفل وقائمة على أساس العلاقات الشخصية . إنّ شفاعةً كهذه تُعّد تأكيداً لمسألة التوحيد لأنّ خطّها الأصلي يصدر عن اللَّه تعالى وهذا هو التوحيد البعيد عن أي لون من ألوان الشرك ، لكن الوهابيين الذين تشابهت عليهم الشفاعة القرآنية مع الشفاعة الشيطانية لحواشي السلاطين أنكروا هذا المبدأ واعتبروه مضادّاً لأصل التوحيد ، وفي الحقيقة أنّهم قد اعترضوا على أوهامهم في هذا الطرح ، لا على مبدأ الشفاعة القرآنية . 3 - الشفاعة في حقيقتها سبب للنجاة : كما هو الاعتقاد بوجود الأسباب في عالم الخلقة والتكوين ( كتأثير أشعة الشمس وتساقط المطر في نمو الأعشاب ) لا يتنافى مطلقاً مع مبدأ التوحيد ، لأنّ تأثير هذه الأسباب يتحقق بإذن اللَّه وأمره ، وفي الحقيقة أنّ عملها هو نوع من الشفاعة التكوينية ، كما أنّ وجود مثل هذه الأسباب في عالم الشريعة للمغفرة والنجاة بأنّ اللَّه لا يتعارض مع التوحيد بل هو تأكيد له ، وهذا هو ما نطلق عليه اسم الشفاعة التشريعية . 4 - إنّ الشفاعة التي يرفُضها القرآن في عبادة الأصنام هي أنّهم كانوا يجعلون كثيراً من الأشياء الخالية من أيّة ميزة أو خاصية شفيعة لهم إلى اللَّه ؟ ولذا صَرّح الآية التي يستندون عليها بالخصوص : « وَيَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَالَا يَضَرُّهُم وَلَايَنفَعُهُم وَيَقُولُونَ هؤُلَآءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ » . ( يونس / 18 ) هذا من جهة ؛ ومن المؤكد أنّ هذا لا علاقة له بشفاعة الأنبياء والأولياء ، فهذا الكلام يخص الأصنام وهي الأحجار المجرّدة من أي عقل وأحاسيس . ومن جهة أخرى ، فالقرآن يذم الشفاعة القائمة على أساس الاعتقاد باستقلال الشفيع ، وتأثيره في مصير الناس بلا اذن من اللَّه ، ولذا جاءت في سورة الزمر آية وهي من الآيات التي يستندون إليها : « وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاءَ مَانَعْبُدهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا الَى اللَّهِ زُلْفَى